سيد جميلي
37
غزوات النبي ( ص )
عدو اللّه جند اللّه قد نزلت من السماء ، فرّ ونكص على عقبيه ، فقالوا : إلى أين يا سراقة ؟ ألم تكن قلت : إنك جار لنا لا تفارقنا ؟ ، فقال : إني أرى ما لا ترون . إني أخاف اللّه واللّه شديد العقاب . وصدق في قوله : « إني أرى ما لا ترون » وكذب في قوله : « إني أخاف اللّه » وقيل : كان خوفه على نفسه أن يهلك معه ، وهذا أظهر . ولما رأى المنافقون ، ومن في قلبه مرض قلة حزب اللّه ، وكثرة أعدائه ظنوا أن الغلبة إنما هي بالكثرة ، وقالوا : « غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ » « 1 » فأخبر سبحانه وتعالى أن النصر بالتوكل عليه ، لا بالكثرة ولا بالعدد ، واللّه عزيز لا يغالب ، حكيم ينصر من يستحق النصر ، وإن كان ضعيفا فعزته وحكمته أوجبت نصر الفئة المتوكلة عليه . ولما دنا العدو ، وتواجه القوم ، قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الناس فوعظهم ، وذكرهم بما لهم في الصبر والثبات من النصر ، والظفر العاجل ، وثواب اللّه الآجل وأخبرهم أن اللّه قد أوجب الجنة لمن استشهد في سبيله فقام عمير بن الحمام فقال : يا رسول اللّه ، جنة عرضها السماوات والأرض ؟ قال نعم ، بخ بخ « 2 » ؟ قال : لا ، واللّه يا رسول اللّه ، إلا رجاء أن أكون من أهلها ، قال : - « فإنك من أهلها » قال : فأخرج ثمرات « 3 » من قرنه فجعل يأكل منهن ، ثم قال : لئن حييت حتى آكل من تمراتي هذه ، إنها لحياة طويلة ، فرمى بما كان معه من التمر ، ثم قاتل حتى قتل ، فكان أول قتيل . وأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ملء كفيه من الحصباء فرمى به وجوه العدو « 4 » ، فلم تترك
--> ( 1 ) - الأنفال ( 8 / 49 ) . ( 2 ) - بخ بخ : فيه لغتان : ؛ إسكان الخاء ، وكسرها منونا ، وهي اسم فعل بمعنى أستحسن ، وهي تطلق لتعظم الأمر وتخفيفه ، ويكون ذلك في الخير . ( 3 ) - أخرج تمرات من قرنه : أي أخرجها من جعبة النشاب . ( 4 ) - وقد أخرج الإمام الطبراني بسنده من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لعلي : « ناولني كفا من حصى فناوله ، فرمى به وجوه القوم ، فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء ، فنزلت : - « وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى » الأنفال ( 8 / 17 ) .